عبد الملك الجويني
24
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
والدليل على بطلان ما قالوه ، أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها ، لما سبق تقريره في الجواهر ، حيث قضينا باستحالة تعرّيها عن الأعراض ، وما لم يخل من الحوادث لم يسبقها ، وينساق ذلك إلى الحكم بحدث الصانع . ولا يستقيم هذا الدليل على أصول المعتزلة مع مصيرهم إلى تجويز خلو الجواهر عن الأعراض ، على تفصيل لهم أشرنا إليه ، وإثباتهم أحكاما متجددة لذات الباري تعالى من الإرادات الحادثة القائمة ، لا بمحال على زعمهم . ويصدهم أيضا عن طرد دليلهم في هذه المسألة ، أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن تدل على الحدث ، لم يبعد مثل ذلك في اعتوار أنفس الأعراض على الذات . ونقول للكرّامية : مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الباري به تناقض ، إذ لو جاز قيام معنى بمحل غائبا من غير أن يتصف بحكمه ، لجاز شاهدا قيام أقوال وعلوم وإرادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام موجبة عن المعاني ، وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى جهالات . ثم نقول لهم : إذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته ، فما المانع من تجويز قيام ألوان حادثة بذاته على التعاقب ، وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به سبحانه من الحوادث ، ومما يلزمهم تجويز قيام قدرة حادثة وعلم حادث بذاته ، على حسب أصلهم في القول والإرادة الحادثتين ، ولا يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا منه فصلا . ونقول أيضا : إذا وصفتم الرب تعالى بكونه متحيزا ، وكل متحيز حجم وجرم ، فلا يتقرر في المعقول خلو الأجرام عن الألوان ، فما المانع من تجويز قيام الألوان بذات الرب . ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه . فصل في الدليل على استحالة كون الرب تعالى جوهرا والتنصيص على نكت في الرد على النصارى الجوهر في اصطلاح المتكلمين هو المتحيز ، وقد أوضحنا الدليل على استحالة كون الباري تعالى متحيزا . وقد يحد الجوهر بالقابل للأعراض ، وقد تبين استحالة قبول الباري سبحانه وتعالى للحوادث . ومن وصف الباري تعالى بكونه جوهرا ، قسم الكلام عليه ، وقيل له : إن أردت بتسميته جوهرا اتصافه بخصائص الجواهر ، فقد سبقت الأدلة على استحالة ذلك عليه . وإن أردت التسمية من غير وصفه بحقيقته وخاصيته ، فالتسميتان تتلقى من السمع ؛ إذ العقول لا تدل عليها ، وليس يشهد لهذه التسمية دلالة سمعية ، ولا يسوغ في شيء من الملل التحكم بتسمية الباري تلقينا .